الشوكاني
187
فتح القدير
( وإذا رأى الذين ظلموا العذاب ) أي وإذا رأى الذين أشركوا العذاب الذي يستحقونه بشركهم ، وهو عذاب جهنم ( فلا يخفف ) ذلك العذاب ( عنهم ولا هم ينظرون ) أي ولا هم يمهلون ليتوبوا إذ لا توبة هنالك ( وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ) أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها ، لما تقرر من أنهم يبعثون مع المشركين ليقال لهم من كان يعبد شيئا فليتبعه ، كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ) أي الذين كنا نعبدهم من دونك . قال أبو مسلم الأصفهاني : مقصود المشركين بهذا القول إحالة الذنب على تلك الأصنام تعللا بذلك واسترواحا مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة ، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه ( فألقوا إليهم القول ) أي ألقى أولئك الأصنام والأوثان والشياطين ونحوهم إلى المشركين القول ( إنكم لكاذبون ) أي قالوا لهم إنكم أيها المشركون لكاذبون فيما تزعمون من إحالة الذنب علينا الذي هو مقصودكم من هذا القول . فإن قيل إن المشركين أشاروا إلى الأصنام ونحوها أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ، وقد كانوا صادقين في ذلك ، فكيف كذبتهم الأصنام ونحوها ؟ فالجواب بأن مرادهم من قولهم هؤلاء شركاؤنا : هؤلاء شركاء الله في المعبودية ، فكذبتهم الأصنام في دعوى هذه الشركة ، والأصنام والأوثان وإن كانت لا تقدر على النطق فإن الله سبحانه ينطقها في تلك الحال لتخجيل المشركين وتوبيخهم ، وهذا كما قالت الملائكة - بل كانوا يعبدون الجن - يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لهم ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) أي ألقى المشركون يوم القيامة الاستسلام والانقياد لعذابه والخضوع لعزته ، وقيل استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي ضاع وبطل ما كانوا يفترونه من أن لله سبحانه شركاء وما كانوا يزعمون من شفاعتهم لهم ، وأن عبادتهم لهم تقربهم إلى الله سبحانه ( الذين كفروا ) في أنفسهم ( وصدوا ) غيرهم ( عن سبيل الله ) أي عن طريق الحق ، وهى طريق الإسلام والإيمان بأن منعوهم من سلوكها وحملوهم على الكفر ، وقيل المراد بالصد عن سبيل الله : الصد عن المسجد الحرام ، والأولى العموم . ثم أخبر عن هؤلاء الذين صنعوا هذا الصنع بقوله ( زدناهم عذابا فوق العذاب ) أي زادهم الله عذابا لأجل الإضلال لغيرهم فوق العذاب الذي استحقوه لأجل ضلالهم ، وقيل المعنى : زدنا القادة عذابا فوق عذاب أتباعهم أي أشد منه ، وقيل إن هذه الزيادة هي إخراجهم من النار إلى الزمهرير ، وقيل غير ذلك ( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم ) أي نبيا يشهد عليهم ( من أنفسهم ) من جنسهم ، إتماما للحجة وقطعا للمعذرة ، وهذا تكرير لما سبق لقصد التأكيد والتهديد ( وجئنا بك ) يا محمد ( شهيدا على هؤلاء ) أي تشهد على هذه الأمم وتشهد لهم ، وقيل على أمتك . وقد تقدم مثل هذا في البقرة والنساء ( ونزلنا عليك الكتاب ) أي القرآن ، والجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال بتقدير قد ( تبيانا لكل شئ ) أي بيانا له ، والتاء للمبالغة ، ونظيره من المصادر التلقاء ، ولم يأت غيرهما . ومثل هذه الآية قوله سبحانه - ما فرطنا في الكتاب من شئ - ، ومعنى كونه تبيانا لكل شئ أن فيه البيان الكثير من الأحكام ، والإحالة فيما بقي منها على السنة ، وأمرهم باتباع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأتي به من الأحكام . وطاعته كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك ، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " إني أوتيت القرآن ومثله معه " ( وهدى ) للعباد ( ورحمة ) لهم ( وبشرى للمسلمين ) خاصة دون غيرهم ، أو يكون الهدى والرحمة والبشرى خاصة بهم ، لأنهم المنتفعون بذلك . ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن تبيان كل شئ ذكر عقبة آية جامعة لأصول التكليف كلها تصديقا لذلك فقال ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) . وقد اختلف أهل العلم في تفسير العدل والإحسان ، فقيل : العدل لا إله إلا الله ، والإحسان أداء الفرائض ،